اختطاف الشعوب والدول
خالد الطراح-كاتب كويتي نواجه في العالم العربي على وجه التحديد تهديداً مكثفاً ومعقداً، واضح المعالم والمصدر في طبيعة الصراعات السياسية، فقد بات الغطاء الديني هو العامل المشترك، الذي يغذي الانفجار المتكرر والتطور الشرس…
خالد الطراح-كاتب كويتي
نواجه في العالم العربي على وجه التحديد تهديداً مكثفاً ومعقداً، واضح المعالم والمصدر في طبيعة الصراعات السياسية، فقد بات الغطاء الديني هو العامل المشترك، الذي يغذي الانفجار المتكرر والتطور الشرس للاضطرابات والتحديات السياسية في معظم البلدان العربية.
ففي العراق وكذلك لبنان وسوريا يتجلى تصعيد متعمد ومفتعل من قبل أحزاب وتيارات سياسية ودول ايضا، لتمدد انتشار مشروع العنف او الاقتتال الطائفي Secrtarian Violence، وهو ما قاد الى نزاعات اهلية دموية وأزمات خانقة اقتصادياً وفي شتى الميادين الحيوية الاخرى.
من المعروف ان هذا العنف يقوم على اساس عرقي وديني، نتيجة فشل في بعض الدول وتراجع في البعض الاخر سياج الدولة المدنية، الذي يمكن ان يحمي التعددية والتعايش السلمي في ما بين كافة اطياف وفئات الشعوب والمجتمعات، الى درجة تورط كثير من النخب الثقافية والسياسية في مثل هذه الاهداف العبثية، وهي حقيقة لا يمكن نكرانها.
لم يأت تفوق لبنان قديماً على العنصرية والطائفية من عبث، بل هو حصاد التنوع، الذي تميزت فيه الدولة اللبنانية مدنياً وعلى مدى عقود من الزمن، حيث لعبت التعددية السياسية والدينية في تطور المجتمع كقدوة للشعوب في الشرق الاوسط، من حيث التعايش السلمي بين كافة الاعراق والأديان والعدالة الاجتماعية والحريات والتنوع التجاري والاقتصادي.
بينما تلاشت في لبنان تلك الجوانب المضيئة من تاريخ هذه الدولة، بعد نشوب الحرب الاهلية في منتصف السبعينات حتى مطلع التسعينات، وسرعان ما عادت الانفاس الملغومة بنيران الطائفية البغيضة بغطاء سياسي لبناني من جهة، ودعم خارجي ممثلا بإيران، بالتعاون مع الحليف الدائم في سوريا (بشار الاسد) من جهة ثانية.
لابد هنا ادراك انه لولا التحالف بين حزب الله مع طهران، لما انطلقت شرارة اذكاء للصراع السني-الشيعي، وهو ما قاد بشكل حتمي الى صراعات دينية اخرى بدعم تيارات وأحزاب سياسية، وبالتالي الاختطاف الديني للدولة المدنية وقيم التسامح الشعبية.
لا ننسى تحول العراق الى مسرح لنفس المشاهد والسيناريو لاختطاف الدولة المدنية المنشودة بعد سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، فبغداد لا زالت بين فكي الصراع الطائفي والمشروع الخميني الايراني، بالرغم من كل المساعي على يد تكتلات وقوى سياسية وفكرية عراقية مستقلة، لم تكن طرفاً مستباحاً يوماً لأي لمشروع خارجي وخصوصا المشاريع ذات الغايات الدينية.
وتركيا، من جهتها، دشنت مشروع اختطاف الزعامة السنية والدينية من خلال نوافذ نزاعات سياسية، ليستفيد منه نظام اردوغان سياسياً داخل تركيا وخارجياً مع الدول والجهات التي تسعى الى دعم التيارات الاسلامية السياسية على حساب مصالح عربية اساساً وخليجية ايضا.
منطقة الخليج العربي او كما هو معروف بدول مجلس التعاون الخليجي، لا يمكن استثناءها من هذا الوضع المعقد سياسياً ودينيناً، فبالإضافة للخلاف الخليجي-الخليجي الحالي، لدينا اختطاف للمجتمع المدني من قبل تيارات سياسية مُسيرة طائفياً من ايران، الجارة المسلمة، وحراك طائفي شيعي موالٍ لطهران، الى جانب هيمنة ونفوذ جماعة الاسلام السياسي (الاخوان) في بعض الدول.
لكن تستمر الاضطرابات السياسية والأمنية في المنطقة الخليجية بدعم الجارة ايران، ولعل خير مثال التأجيج المتواصل في اليمن للحوثيين والطوائف الشيعية المتطرفة في بعض دول الخليج العربي كما هو الحال في دول اخرى.
قد تجد طهران نفسها عاجزة عن مواصلة التمويل لأدواتها الاعلامية التحريضية، نتيجة الضغوط الاقتصادية الاميركية وما ترتب عن ذلك من ازمة اقتصادية قاسية على امبراطورية النفوذ الايراني الاعلامي، لكن بتقديري ان ايران لم تعد بحاجة ضرورية كما كان عليه الوضع من سنوات، للنوافذ الاعلامية الخارجية، فقد توغل مشروع الاختطاف الطائفي الايراني في مفاصل العديد من الدول والأحزاب والتيارات الفكرية والسياسية، ولم يعد المشروع الاعلامي بحاجة للتمويل الايراني، ولكن تظل الحاجة قائمة الى ايجاد البدائل لمواصلة الدعم العسكري للمشروع الخميني من خلال منصات ومظلات مالية اخرى.