16 أكتوبر 2026 آخر المقالات
قضايا دولية

الديموقراطية والفكر المتشدد

بقلم خالد احمد الطراح: ينظر البرلمان البريطاني في دورته الجديدة في مشاريع قوانين طارئة للحكومة تتعلق بالامن، وهي من اعداد وزارة الداخلية، وتهدف مشاريع القوانين هذه الى توفير الدعم الكافي والضمانات الى اجهزة الامن في ضوء…

بقلم خالد احمد الطراح:

ينظر البرلمان البريطاني في دورته الجديدة في مشاريع قوانين طارئة للحكومة تتعلق بالامن، وهي من اعداد وزارة الداخلية، وتهدف مشاريع القوانين هذه الى توفير الدعم الكافي والضمانات الى اجهزة الامن في ضوء ما شهده العالم واميركا على وجه الخصوص في الآونة الاخيرة من عمليات ارهابية.
تجربة بريطانيا في التعامل مع الارهاب عميقة ومتنوعة ومميزة ايضا، فهي تعود الى اكثر من قرن ونصف القرن وتحديدا في نوفمبر 1605 حين تعرض ملك بريطانيا لمحاولة اغتيال، فيما تعرض البرلمان البريطاني لعملية ارهابية تمثلت في تفجير البرلمان، وقد عرفت هاتان العمليتان ب Guy Faux Night (ليلة غاي فوكس).
وفي الخامس من نوفمبر المقبل سيحتفل البريطانيون مثلما يفعلون كل عام بذكرى ليلة 'غاي فوكس' ليس من باب الاحتفال بالارهاب وما تعرضت له بريطانيا انذاك من عمليات ارهابية، وانما اعتزاز وتأكيد على تمسك البريطانيين بالديموقراطية والبرلمان الذي يطلق عليه ايضا ام البرلمانات Mother of Parllaments واحتفال بريطانيا بهذه المناسبة يشتمل على حتى صغار السن والشباب الذين يجوبون الاحياء والشوارع وهم يرتدون الاقنعة الورقية فيما تغطي سماء بريطانيا الالعاب النارية.
الديموقراطية العريقة التي تطورت في بريطانيا منذ عشرات السنين تحولت عبر التجارب الى حصن حصين لبريطانيا امام اي عمليات ارهابية اوانشطة واعمال متطرفة وباتت الديموقراطية ايضا عاملا اساسيا في تماسك المجتمع البريطاني وانجازا يحافظ عليه جميع افراد المجتمع.
وعلى هذا الاساس ستحظى على الارجح كافة مشاريع القانون التي تقدمها الحكومة البريطانية بموافقة البرلمان ودعمه والمستفيد في نهاية الامر بريطانيا، فالحاجة باتت ملموسة لتشريعات وقوانين صارمة تعالج وضع مجاميع من الناس الذين منحوا حق اللجوء السياسي وكذلك الجهات والمنظمات الاجنبية التي باتت تشكل خطرا على أمن بريطانيا من خلال ما تقوم به احيانا من اعمال غير محبذة ومواقف متطرفة واستغلال سيئ للغاية لمناخ الحرية السياسية وحرية الاعتقاد في المملكة المتحدةِ ومن المؤكد ان نظرة البريطانيين سواء في البرلمان او الحكومة الى هذه الاوضاع لن تتأكد بأي عوامل شوفينية وعنصرية، فثمة قناعة مطلقة بأن الحرية للجميع وليس للشقر وحدهم دون السمر ولكن من المهم بمكان قطع دابر الاستغلال السيئ والخاطئ للحرية حتى لا تصبح الحرية مظلة لتمرير مشاريع ارهابية تستهدف أمن الوطن والمواطن.
البريطانيون ليسوا مع المساس بالحريات ولكن الاحداث الاخيرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة، اضافة الى ما توفر لدى اجهزة المخابرات البريطانية والاميركية وغيرها من معلومات وبراهين الى جانب جملة من الحوادث المؤسفة التي شهدتها مناطق بريطانية مختلفة تجعل البريطانيين متحفزين نحو ضبط الامور حتى لا تتحول بريطانيا الى مرتع للشياطين والخارجين على القانون.
ومن المعروف ان مناخ الحريات الذي تتمتع به بريطانيا جذب هجرات هائلة الى بريطانيا في العقود الزمنية الاخيرة من جنسيات مختلفة وربما معظمها جنسيات عربية، خصوصا في السنوات الاخيرة، فقد تكدست وانتشرت الجالية العربية في المجتمع البريطاني بصورة ملحوظة للغايةِ وبغض النظر عن الاساليب التي استخدمتها هذه الجنسيات للاستقرار في بريطانيا، فقد تمكنت ايضا من ممارسة انشطتها سواء كانت سياسية او عقائدية دون ان يتعرض اي منها لضغوط او استجوابات من السلطات المختصة في بريطانيا، الا ان بعض هذه الجماعات استغلت استغلالا سيئا مناخ الحريات المتاح في بريطانيا لاشاعة الهلع والفزع في المجتمع البريطاني، وفرض نفسها كقوى مؤثرة في داخل بريطانيا وخارجها.
مشاريع القانون الجديدة لوزارة الداخلية البريطانية من المؤكد ان تحظى بمباركة البرلمان ودعمه، فالمستفيد اولا واخيرا بريطانيا، وهذا يدلل على ان الجميع شريك في الدفاع عن امن بريطانيا، وانه لا بد من قطع الطريق على من يحاول ان يختبئ تحت مظلات مختلفة لتمرير مشاريع ارهابية تستهدف الامن والامان.
وقد ارسى مجلس اللوردات البريطاني - وهو اعلى سلطة قضائية في البلاد - مبدأ قانونيا هاما لاول مرة عندما وافق على ابعاد رجل ديني باكستاني 'متطرف' على اساس ان النشاط الذي يقوم به ضد دولة اجنبية يعرض امن بريطانيا للخطرِ ما اقر مجلس اللوردات مبدأ آخر (ولأول مرة ايضا) بأن بريطانيا ليست مضطرة لايواء ارهابي يرفع دعوى قضائية ضد بلدهِ وهذا المبدأ القانوني الجديد الذي ارساه القضاء سيخول لسلطات الامن حرية اكبر في ملاحقة الارهابيين، الامر الذي حدا بوزير الداخلية البريطاني دافيد بلنكت بكيل الثناء والاستحسان على قرار مجلس اللوردات.
الخطوة البريطانية نحو معالجة الخلل في نشاط بعض الجهات والمنظمات وسوء الاستغلال من البعض لمناخ الحريات والاعتقاد، يجب ان تحظى باهتمام وتركيز البلدان العربية التي تحول بعضها الى نقاط لتصدير فكر ونشاط متطرف ومصادر لتمويل عمليات ارهابية، فمن الصعب ان ننتظر نتائج ملموسة من الخارج في معالجة هذا الموضوع الشائك والحساس دون تحرك من الداخل، لاسيما ان أي تحرك خارجي منفرد في مواجهة التطرف الديني سيجعله يبدو وكأنه تحرك غربي ضد الإسلام وهو أمر غير صحيح على الإطلاق.
الدول الإسلامية، والخليجية بالذات، عليها إعداد مجموعة من اللوائح والقوانين بهدف سد الثغرات الموجودة حاليا التي يستخدمها الارهابيون لتحقيق أهدافهم سواء كانت هذه الثغرات في المعاملات البنكية، أو الاجراءات الأمنية، أو القوانين الجنائية، أو السفر والتنقل إلى أماكن مشبوهة.
وبالاضافة الى ذلك والأهم هو ضرورة التعامل بحذر وجدية مع نمو وانتشار الفكر المتطرف، فإن الحكومات العربية مطالبة بمحاربة الفكر المتطرف والاتجاهات المنحرفة والجمعيات المشبوهة التي تبث سمومها في المجتمع دون رقيبِ فقد باتت المجتمعات العربية وكأنها ساحة مفتوحة وأرض خصبة لنشر الأفكار المغالية ودعم الاتجاهات المنبوذة، وأصبحت اتهامات 'التكفير' و'الردة' و'الخروج عن الاسلام' دعاوى جاهزة يشهرها أصحاب هذه الأفكار المشوهة أمام كل من ينادي بالتعقل والتنور ويقف مع الإصلاح والتقدم.

اقرأ أيضًا

قضايا دولية

حريات تحترق

يمكن تصنيف الجرائم المرتكبة بحق الحريات الإعلامية، وقيم الحوار وحرية التعبير، ومناخ التعددية الفكرية، ضمن أفظع الجرائم التي تُرتكب في حق المجتمعات والأمم. وقد أصبحت المؤشرات والدلائل على التهديدات المتصاعدة التي تستهدف…

قضايا دولية

تأملات في الخيانة والتطرف في الكويت

ليس رقمًا بسيطًا، بل رقمٌ مفزع؛ ذلك الذي حمله بيان وزارة الداخلية الكويتية عن خليةٍ إرهابيةٍ تضم أربعة عشر مواطنًا كويتيًا وفردين لبنانيين، جميعهم يستهدفون الكويت وسيادتها عبر تبنّي مخطط “حزب الله” الإرهابي، ذراع نظام…

قضايا دولية

الإخوان المسلمون في عين الكويت

البيان الذي أصدرته جماعة في الكويت – الحركة الدستورية – في اليوم التاسع من العدوان على دول الخليج، خلا من إدانة صريحة، بل حتى غير مباشرة، للعدوان الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي. ولا يبدو هذا الموقف مفاجئاً لمن…