المنظور الإعلامي لتداعيات الحادي عشر من سبتمبر
عقب الاعمال الارهابية التي هزت مدينتي نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، تدفق سيل غزير من المقالات والتحليلات والمساجلات والتنظيرات على ساحتي وسائل الاعلام العربية والغربية، وتبارى الكتاب والمفكرون…
عقب الاعمال الارهابية التي هزت مدينتي نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، تدفق سيل غزير من المقالات والتحليلات والمساجلات والتنظيرات على ساحتي وسائل الاعلام العربية والغربية، وتبارى الكتاب والمفكرون والصحفيون في الادلاء بوجهات نظرهم وكذلك في تحليل ومناقشة الدوافع وراء هذا العمل الوحشي، وسبل احتواء الاضرار الى جانب تحديد الدروس التي يمكن استخلاصها من تلك الاحداث المأساوية.
ارتفعت الاصوات في العالمين: الغربي والاسلامي كل يحاول القاء تبعة ما حدث على الآخر وفسر البعض حادث سبتمبر على انه نتيجة سياسات خاطئة لواشنطن مما أدى الى المزايدات وتبادل الاتهامات وتضخيم الادعاءات الى حد غير طبيعي على مستوى العلاقات الامريكية ـ العربية بصورة عامة وعلاقات واشنطن مع بعض البلدان العربية لا سيما السعودية.
حجم المفاجأة في العالم العربي لم يكن اقل حجما وتأثيرا مما اصاب واشنطن والغرب ككل، فالمجتمع العربي بالتحديد وجد نفسه امام مواجهة وتحد كبير لم يكن أبدا ضمن تنبؤات الساسة وخارج نطاق المنظور الاستراتيجي، فلم تكن اصابع الاتهام الموجهة الى العرب وحدها الجانب المزعج في الامر، بل ان حجم المسؤولية في كيفية التعامل مع الحدث اصبح يمثل مشكلة وتحديا كبيرا للغاية.
ولعل ما يجعل المسؤولية كبيرة وثقيلة جدا هو ان منفذي عمليات سبتمبر الارهابية معظمهم مواطنون سعوديون متعلمون ويتحدرون من اسر معروفة وغير محتاجة والاهم من ذلك انهم مسلمون كانوا يرفعون راية الاسلام حين نفذوا عملياتهم الارهابية.
هول المفاجأة وحجم الدهشة كانا واضحين في امريكا وكذلك في السعودية ودول الخليج ككل الى درجة تشابكت فيها الرؤى للظروف والدوافع خلف هذه الاعمال الوحشية فيما اختلطت فيها تراكمات سياسية قديمة بين واشنطن والعديد من العواصم العربية وغايات سياسية جديدة لاطراف داخل امريكا وخارجها.
المواجهة السياسية واحتدام الحوار وتوتر العلاقات بين امريكا والدول العربية بات واضحا، فشراكات استراتيجية تأثرت نتيجة احداث سبتمبر أدت الى حد النكوص الى نقطة البداية على مستوى علاقات بعض الدول العربية مع واشنطن. وبالنسبة للسعودية فحجم الصدمة وهول المفاجأة، وكذلك حجم المعلومات التي انكشفت للرياض وللعالم ايضا عن هوية ممولي ومنفذي هذه الاعمال الوحشية وحجم السلاح والمال لديها أدى الى عدم تمكن المملكة من التوصل الى معالجة مرضية لها ولواشنطن، خصوصا في ظل تطورات سياسية متسارعة وانفعال شديد في وسط الرأي العام الامريكي.
ثمة اسئلة وقضايا عديدة حملها سبتمبر الماضي لنا كعرب وللغرب ايضا ولكن تظل بتقديري هناك قضية حساسة وهامة في نفس الوقت وهي تنحصر في ان الاحداث اثبتت عدم وجود اعلام عربي فعال واخفاق الكثير من الدول العربية والسعودية تحديدا في خلق جمهور، وان لم يكن واسعا، في العالم الغربي وامريكا على وجه الخصوص وبالذات في ظل علاقات متميزة وتاريخية بين واشنطن والرياض.
الحقيقة التي يعرفها الجميع هي وجود مشكلة كامنة في غياب اعلام عربي موجه الى الساحة الامريكية والغرب ككل: اعلام مبني على خطط مدروسة تستهدف تحقيق نتائج محددة وواضحة.. اعلام يحمل خطابا ينسجم مع طبيعة الرأي العام الامريكي… اعلام يرسخ الاحترام المتبادل لانماط الحياة المختلفة والتقاليد والعادات، والاهم من كل هذا هو الحاجة الى اعلام ينقل ويعرض الثقافة العربية بوجهها الصحيح وبالتالي ربط الثقافة العربية بمثقفي ومفكري المجتمع الامريكي والغربي.
سبب الاخفاق على هذا المستوى يعود ليس فقط الى عدم وجود الارادة والقرار العربي المشترك بهذا الاتجاه وانما ايضا الى غياب وضوح المفهوم السليم لما يراد نقله وعرضه خارج العالم العربي وهذا يعود ربما لغياب الانسجام اساسا بين الدول العربية وانعكاس ذلك على عدم التمكن من تحديد الاهداف الاعلامية. فهناك انظمة عربية تسعى الى عرض ما يمكن ان نسميه بالثقافة الرسمية او «النظامية» وهذا يتمثل في عرض انجازات النظام وسياساته بدلا من عرض موضوعي للتطور الثقافي والفكري في هذه البلدان بسبب حساسية هذه الانظمة من المثقفين والمفكرين.
والتحفظ الآخر الذي ينبغي تسجيله في هذا السياق هو دور المؤسسات والجمعيات والمنظمات الاسلامية والخيرية في مواجهة احداث الحادي عشر من سبتمبر، وهل تمكنت هذه المؤسسات من التعامل بشفافية ومهنية مع تلك الاحداث؟
المطلوب فعلا وقفة مع المؤسسات والجهات الخيرية والاسلامية بالذات. فهي ايضا شريك اساسي في المواجهة والتعامل مع الغرب باعتبار ان اصابع الاتهام موجهة اليها ايضا علاوة على كونها معنية بصفتها ونشاطها بالاسلام. المؤسسات الاسلامية والجهات الخيرية باتت اليوم مؤسسات ضخمة ذات ارصدة هائلة مما يجعلها مؤهلة لتلعب دورا اضافيا لا يختلف عن دورها الرئيسي. فمن المهم التعريف بالاسلام على نحو سليم وصحيح من خلال خطط وبرامج وحملات اعلامية ترسخ الوجه الحقيقي للاسلام لدى الغرب والمسلمين ايضا، خصوصا ان الشواهد على الفهم السيئ والممارسة الخطأ للاسلام من قبل المسلمين انفسهم اصبحت عديدة حتى بات ينسب الى الاسلام ما لا ينسجم ويتفق مع هذا الدين المتسامح جوهرا وعقيدة.
صحيح ان ثمة وظيفة اساسية لهذه المؤسسات تجاه الدول المحتاجة والمسلمين إلا ان عملية التعريف والتثقيف بدور هذه المؤسسات في مجالات التنمية والتعليم لا تقل اهمية عن وظائفها الاساسية، الامر الذي من شأنه خلق جماهير مؤيدة لهذه المؤسسات والجهات الخيرة، بل ربما جذب مساهمات خيرية من خارج الوطن العربي.