16 أكتوبر 2026 آخر المقالات
قضايا الوطن

السلطة الخامسة

تُعدّ شبكات ووسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وإنستغرام وسنابشات والمنصات الإخبارية الألكترونية تطوراً بارزاً في الميدان الإعلامي الحديث، فقد أحدثت هذه الوسائط تحولاً جذرياً في السلوك العام في شتى المجتمعات،…

تُعدّ شبكات ووسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وإنستغرام وسنابشات والمنصات الإخبارية الألكترونية تطوراً بارزاً في الميدان الإعلامي الحديث، فقد أحدثت هذه الوسائط تحولاً جذرياً في السلوك العام في شتى المجتمعات، وكذلك في السياسات والقرارات لدى الكثير من الدول والحكومات التي تدرك حجم التأثير للعالَم الإعلامي الجديد أو الفضاء الإعلامي ذي الأفق الواسع والمتنوع.

نحن نعيش اليوم وسط عالم جديد مدججاً بأسلحة إعلامية حديثة تقنياً وفتاكة تأثيراً، حيث تتشكل جماهير من شتى الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، وهو ما يعني ولادة سلطة إعلامية جديدة، فرضت نفسها باسم السلطة الخامسة، إذا ما جرت المقارنة بين حجم الجمهور الرقمي للإعلام الحديث وتأثيره مع جمهور الإعلام التقليدي.

لعل ما يميز السلطة الخامسة ليس فقط تنوع وتعدد وانتشار أدواتها، وإنما قوتها في أحداث التغيير في أساليب التفكير والتخطيط والتدبير، وما يترتب كل ذلك من تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية في مختلف المجالات، وهو تغيير حتمي في المفاهيم والسلوك والقرار وأدوات قياس اتجاهات الرأي العام.

كل ذلك ينبغي إدراكه من الحكومات والأنظمة التي لم تقوَ على الخروج بالتفكير خارج الصندوق، فاللجوء لسلطة القمع للحريات والوعيد والتهديد والعقوبة، مصدرٌ لتعاظم أكبر وأضخم للسلطة الشعبية الجديدة، فالسلطة الخامسة تعد ركناً مكملاً ومتناغماً هدفاً ورقابةً للسلطة الرابعة ممثلة في الإعلام التقليدي، بعد تغير طبيعة الدور في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والتهديدات ذات الطابع العرقي والديني، والحروب والنزاعات المفتعلة نتيجة صراعات سرمدية، وكذلك التهديدات الخارجية وما أكثرها في الوطن العربي.

فالحكمة والواقع يفرضان قواعد جديدة ومتطلبات مختلفة تماماً عن السابق، حيث تتأكد ضرورة إدراك عدم إمكانية السيطرة على السلطة الجديدة بالنهج السياسي المقاوم للتغيير، واستحالة التعامل مع هذا التطور الالكتروني من منظور قانوني بحت أو بالأحرى من منظور المحظورات التقليدية، فهي وسائل ووسائط تسبح في فضاء جديد لا يمكن السيطرة عليه بأي حال من الأحوال، بل الحصافة تقتضي من الحكومات التقدمية فكراً ومنهجاً السباحة مع تيار فضاء السلطة الجديدة وليس ضده.

فالعالم الرقمي وأجياله الحالية والمستقبلية يفرض وجوب التعامل مع الإعلام الجديد، أي السلطة الجديدة، من خلال تطوير الرؤية السياسية قبل القانونية لما يتم تناوله في هذا الفضاء الرحب من أجل فهم طبيعته وظروفه واحتياجاته.

ومن المهم أيضاً إدراك أن ثمة حراكاً اجتماعياً وسياسياً لعب دوراً مؤثراً في ولادة شبكات التواصل الاجتماعي وانطلاق فضاء واسع يحتضن هذه الوسائل اليوم وربما وسائل أكثر تطورا مستقبلاً، حيث إن العملية لم تعد معقدة ولا تحتاج إلى أكوام من التراخيص والموافقات، بل على العكس تماماً، فالتكلفة قليلة وبمهارات فنية واعدة ذات طموحات مشروعة.

أصبح لدينا أثير إذاعي وتلفزيوني عبر الإنترنت وبلغات مختلفة، وذلك يشمل لغة الإشارة، كما حصل في مواكبة الربيع العربي بشكل عام، والتعقيدات السياسية والاقتصادية في لبنان والعراق ودول أخرى ما زالت تئن من هشاشة الانظمة وقواعد الدولة المدنية حتى بات لدينا دول هشة!
مثلاً وليس حصراً، حصدت إذاعة “حريتي” بعد انطلاقها قبل زمن في الشقيقة مصر جماهير شبابية واسعة وبكثافة في شتى أنحاء الجمهورية والعالم العربي أيضاً، من أجل سد الفجوة الممكنة والمحتملة جداً بين صوت الشباب ووسائل الإعلام التقليدي، حيث تغيب الفرص المتكافئة التي تمنح الجميع ولا سيما الشباب فرص إيصال أصواتهم.

فقد واكبت هذه المنصات الالكترونية بل حرصت على المهنية الإعلامية، فالهدف ليس خلق فوضى إعلامية بقدر تحقيق الفرض المتكافئة للشباب بوجه خاص ومؤيديهم من شرائح اجتماعية أخرى.
لن يكون التضييق أو افتعال مصدّات ضد هذه المبادرات التي تنطلق تحت مظلة السلطة الخامسة، في صالح أي سلطة أو حزب أو قوى دينية وعرقية، فحين تغيب الحكمة والمضي في مشروع واهم لتهميش شرائح وفئات عمرية مختلفة ستظهر خيارات أخرى قد تكون أشد قوةً وصلابة وانتشاراً عن المتوقع.

مع توقيت نشر هذا المقال اليوم السبت، ستشارف عملية التصويت الانتخابي لمجلس أمة 2020 في الكويت على الانتهاء، وقد تكون نتائج التغيير متواضعة أو محدودة، لكن تظل السلطة الخامسة الجديدة وكذلك السلطة الرابعة نافذة للتعبير الشعبي والمحاسبة بطاقة وطنية.
أتمنى أن تحقق انتخابات 2020 في الكويت إنجازاً ديموقراطياً جديداً يضاف لرصيد المكتسبات التاريخية، ويوازي طموحات وتطلعات جميع مكونات نسيج المجتمع الكويتي المتسامح، درءاً لمزيد من الانقسامات الاجتماعية الفرعية من أجل الوقوف ضد آفة الفساد والنهوض #بالكويت نحو مستقبل زاهر.

اقرأ أيضًا

سياسة

الكويت وأميركا ولغم التطبيع!

وحدهم الرافضون للتطبيع مع إسرائيل الذين يملكون حجة الرفض وقصتها، وروايتها من منظور عربي وإسلامي من دون تبرير الفزعة السياسية والدينية غير الطارئة أو غير المفاجأة مع حركة “حماس”، الجناح الفلسطيني لجماعة “الإخوان…

قضايا الوطن

الاستقالة والإقالة… حق بإرادة وإنهاء بضوابط

علاقة العمل ليست رابطة عابرة تنتهي بانتهاء الدوام، ولا عقداً تُطوى صفحاته بمجرد التوقيع؛ إنما هي رابطة قانونية تنشأ بها حقوق، وتستقر في ذمة طرفيها التزامات. فإذا اختار العامل إنهاءها بالاستقالة، أو ارتأى صاحب العمل وضع…

قضايا الوطن

حين تعصف القبلية والمحسوبية بجامعة الكويت!

بين مشكلات جامعة وصراعاتها الكثيرة، وهي في معظمها ليست مستعصية على الحل، تتقدم إلى الواجهة صراعات قبلية، وتحديات غير اكاديمية، ومحسوبيات واستثناءات، باتت ترهق المؤسسة الأكاديمية، وتضع قيمها، العلمية والمدنية، أمام…