ثر الوصاية على الاستقرار العربي
خالد الطراح – كاتب كويتي حين تستقر الشعوب خصوصا في الدول المضطربة سياسياً واقتصادياً، تستقر حينها سيادة الدولة ومؤسساتها، وهذا الاستقرار غير وارد في ظل الوصاية المتفشية من التكتلات السياسية والنيابية نتيجة سياسة…
خالد الطراح – كاتب كويتي
حين تستقر الشعوب خصوصا في الدول المضطربة سياسياً واقتصادياً، تستقر حينها سيادة الدولة ومؤسساتها، وهذا الاستقرار غير وارد في ظل الوصاية المتفشية من التكتلات السياسية والنيابية نتيجة سياسة المحاصصة السياسية، التي عصفت بدول وشعوب من دون نهاية، وهو ما يتطلب من الساسة وزعامات الطوائف السياسية والدينية ان تطوي الى الابد هذه الصفحات المقيتة من التاريخ.
نحن نواجه اليوم تحديات غير مسبوقة في العالم العربي، الذي يزداد اضطراباً يومياً، بينما يتوه صوت شريحة مؤثرة من المجتمع وهي الشباب أي جيل اليوم والأجيال القادمة، حيث لم يعد للنظريات التقليدية والرؤى، التي غمرها الغبار الزمني حيزاً مقبولا عند فئات وشرائح من صناع المستقبل.
هذا لا يعني الغاء النظريات والمكتسبات التاريخية السياسية والاقتصادية والتنكر للعلوم بشتى ميادينها، وإنما هي بالواقع دعوة لتجديد لغة الحوار على اساس براغماتي، لتستفيد جميع شعوب والبلدان من التغيير السياسي الحتمي ومواكبة عقول نيرة وواعدة، يمكنها ان تثري التطوير بلغتها وسلوكها الاجتماعي والفكري الجديد.
في أزمنة سابقة، تداعى عدد كبير من المفكرين خلال عقود من التاريخ الى تناول جوانب مهمة من حياة الانسان والمجتمع ككل، في تفسير حجم الضرر الذي يقع على الانسان حين يفقد حريته وكرامته مجبراً، نتيجة نهج قمعي للعديد من الانظمة التي تخطف من الفرد حريته وكرامته بقوة سلطة مستبدة، إلا ان هناك من فسر الخنوع والاستسلام لاغتصاب الحرية والكرامة بخيارات وقرارات طوعية للفرد بذاته!
تناول المفكر الفرنسي Étienne de La Boétie (1530-1563) ضمن كتابه الشهير “العبودية المختارة” “The Discourse of Voluntary Servitude”، خيارات الانسان بالتنازل بمحض ارادته عن حقوقه وحريته، وان يصبح بالتالي “عبدا” أي خاضعا وتابعا كالقطيع للطرف الاقوى والمهيمن في المجتمع والدولة على مختلف مستويات الحياة الى درجة التحكم بميزان العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الانسانية.
لاشك ان ثمة قيمة علمية للكتاب السابق الذكر وأهدافه ومضامينه مثل كتب واساهامات أخرى، ولكن ما يتميز فيه كتاب “العبودية المختارة” هو التناول العميق لعلاقة الأديان والمجتمع والأنظمة، من جوانب عديدة كالقيم المجتمعية والعادات والكرامة ونفوذ السلطة السياسية في استغلال الدين والظروف والتحديات الاجتماعية والاقتصادية في فرض وضع استبدادي وهي معركة غير متكافئة بين من يملك السلطة ومن يخضع لها طوعياً أو إجبارياً.
لكن في الضفة الثانية من هذا الزمن الذين تعيشه اليوم، هناك سلسلة من المتغيرات الاجتماعية والسياسية والتقنية، التي تفرض نفسها على تطوير المفاهيم التاريخية من أجل تحقيق التلاقي العملي والعلمي بين تحديات تقليدية وتحديات المرحلة الراهنة، من دون نزع القيمة العلمية لكافة النظريات التي كثيرا ما بنيت بعيدا عن التسييس للأديان والسيطرة على مفاصل الدولة.
قد ينجح عدد من الساسة في التغيير المأمول، ولكن حتما لن يستطيع هؤلاء وحدهم احداث التغيير المنهجي السلمي والمدني في الدولة، فمثل هذا التغيير المنشود لا يمكن أن يقوم على أفراد، وإنما على مؤسسات المجتمع المدني مع تنازل فعلي وعملي للزعامات الدينية والطائفية نحو تحقيق الهدف الاكبر والاسمى وهو قيام الدولة المدنية.
يخطأ من يقلل من دور وأهمية شريحة الشباب في صياغة المستقبل السياسي، فهم أي الشباب، الذين يشكلون الاغلبية في معظم المجتمعات، يحتضنون الحماس والطاقة وقادرون على احداث التغيير والتجديد اذا ما توافر دعم قادة الفكر والرأي والنخب المستقلة في المجتمع من المؤيدين في اشراك الشرائح الشبابية الواعدة، فتحديات اليوم والمستقبل تستوجب المشاركة المجتمعية الواسعة من كافة مكونات نسيج المجتمع المدني.
كلما استطاعت الشعوب العربية من الخروج من ثوب الوصاية الدينية والطائفية الداخلية، كلما بات الاستقرار السياسي هدفا غير مستحيلا وعاملا صلبا في صد الوصاية الخارجية، التي تتذرع بالنزاعات العرقية والدينية في الوطن العربي وتلتف حول اشعال نيرانها!
خالد الطراح