المبايعة.. «ثم تكرست دستوراً وميثاقاً»
بقلم خالد احمد الطراح محنة الغزو الصدامي ستظل من اشد المحن التي عرفتها الكويت وشعبها وكذلك تاريخ البشرية، فالغزو قلب موازيين سياسية واخلاقية وتسبب في شرخ مؤلم في وجدان المواطن الكويتي، وهي ايضا كارثة بشرية وسياسية بكل…
بقلم خالد احمد الطراح محنة الغزو الصدامي ستظل من اشد المحن التي عرفتها الكويت وشعبها وكذلك تاريخ البشرية، فالغزو قلب موازيين سياسية واخلاقية وتسبب في شرخ مؤلم في وجدان المواطن الكويتي، وهي ايضا كارثة بشرية وسياسية بكل ما تحمله هذه المعاني التي ستظل محل تحليل ومراجعة تاريخية حتى من قبل المؤرخين غير الكويتيين على امتداد الزمن. تحل الذكرى الـ26 للغزو بآلامها وملامحها البشعة والوحشية على ذاكرة المواطن الكويتي وكذلك على المقيمين العرب والاجانب الشرفاء الذين لم يتنكروا لخير الكويت وحبهم لهذا الوطن الصغير جغرافيا والكبير في عطائه ودوره البارز على مستوى العالم بوجه عام والعالمين الاسلامي والعربي بوجه خاص. انها ذكرى مأساوية لكنها تحمل دروسا وعبراً لنا وللعالم اجمع، لا بد الا تغيب عن الاذهان، فحجم التضحيات التي قدمها الشعب الكويتي كانت رسالة الى المجتمع الدولي تأكيدا على حق الدفاع والذود عن مصلحة الدولة وسيادتها، اضافة الى التفاف الشعب الكويتي حول الشرعية الدستورية الممثلة في نظام حكم اسرة الصباح الكرام من خلال ما شهده مؤتمر جدة خلال فترة الغزو وهي بمنزلة ترسيخ لمبايعة الشعب الكويتي لآل الصباح والتوافق والاتفاق على تحرير الكويت والمحافظة على المكتسبات الدستورية التي حققتها الكويت وطناً وشعباً. ذكرى 2 أغسطس 1990 هي جزء من تاريخ الكويت مثلها مثل ذكرى 26 فبراير 1991 وهي ذكرى تحرير الكويت، التي للأسف لم توثق بشكل دقيق ورسمي، يروي تفاصيل وجوانب لا يعرفها كل ابناء الشعب الكويتي، فهناك من المعلومات التي احتفظت بها ذاكرة رجالات الكويت ممن توفاهم الله ومن هم احياء الى اليوم وندعو لهم بطول العمر والمبادرة في توثيق ما لديهم من معلومات من اجل الكويت والاجيال القادمة. سبق لي الكتابة في فبراير من العام الجاري عن ذكرى التحرير، وركزت ضمن المقال عن الدور الذي قام به تحديدا الامير الوالد الراحل الشيخ سعد العبدالله الصباح، وهذا لا يعني تغييب او تقليل لدور الامير الراحل الشيخ جابر الأحمد طيب الله ثراهما او صاحب السمو الامير الشيخ صباح الأحمد حفظه الله ورعاه، ابوالدبلوماسية وقائد الانسانة، فقد توزعت الادوار حسبما تقتضيه الظروف، منها ما نعرفه كمواطنين ومنها ما يعرفه رؤساء وزعماء في العالم ومنظمات وجهات مختلفة، لكن هذا ليس مبرراً لعدم توثيق تاريخي سواء كان لدور الدولة الرسمي وايضا للدور الشعبي، خصوصاً ما صاحب مؤتمر جدة، فهي جهود استثنائية ومضنية ومحل فخر واعتزاز ايضا على كل المستويات، وليس هناك ما ينبغي اخفاءه عن الشعب الكويتي او العالم. مقالي في ذكرى التحرير حظى بتقدير الاخ العزيز وليد النصف (بوعبدالطيف) رئيس تحرير القبس الذي شجعني على تبني مبادرة توثيق مؤتمر جدة بما يتوافر من معلومات بدعم وتعاون مع دار القبس، وهو ما دفعني لبدء مباشرة الاتصالات مع شخصيات لها شهادات محورية، اضافة الى توافر العديد من الوثائق لديها بالتنسيق مع قائد اوركسترا التوثيق في مركز معلومات القبس الاخ العزيز حمزة عليان. من خلال الاتصالات التي باشرتها، وجدت انني امام مهمة ليست سهلة او بالأحرى تستدعي جهدا كبيرا وتفرغا، بالرغم من ترحيب من اتصلت بهم كالإخوة الافاضل عبدالرحمن الغنيم، امين عام مؤتمر جدة، ود. خليفة الوقيان، الامين العام المساعد، ومبارك الدويلة، وشخصيات اخرى ابدت استعدادا في امدادي بالمعلومات والتعاون من اجل ان يظهر عملا موثقا لمؤتمر جدة وان كان ليس توثيقا تاريخيا علميا، فعمل كهذا ليس من اختصاصي ولا استطيع الادعاء بقدرات لا املكها. لابد هنا أن اكون صريحا وشفافا، وان كانت مناسبة الغزو أليمة، ان عملية توثيق مؤتمر جدة ليست صعبة للأسباب التي استعرضتها فقط وانما لسبب مهم ومحوري وهو عدم وجود استعداد رسمي لتوثيق هذه المرحلة من تاريخ الكويت ولن اجتهد في الاجابة بالنيابة عن الحكومة، آملا ان يصدر رأي او توضيح للموقف الرسمي من مؤتمر جدة. كما هو معروف وهو ما اكده ايضا اخي الكبير د. خليفة الوقيان ان مؤتمر جدة حظي باهتمام استثنائي من قبل الامير الوالد الشيخ سعد العبدالله رحمة الله عليه الذي كرس جل وقته في متابعة اعمال كل لجان المؤتمر وحرصه على تذليل اي معوقات قد تعترض عمل اللجان، لكن من المؤسف انه حين حلت ذكرى التحرير الاخيرة ومناسبات وطنية اخرى لم يتم ابراز هذا الدور الوطني للأمير الوالد خصوصا من الاعلام الرسمي! من القضايا المهمة التي روتها لي مصادر مقربة من المرحوم باذن الله العم عبدالعزيز الصقر (بوحمد) قضية تتعلق بالقرار الذي اتخذه العم عبدالعزيز وهو في هامبورغ بعد خضوعه لعملية جراحية في الركبة اثناء اول يوم من الغزو في دعم الشرعية الدستورية وتسخير كل طاقاته واتصالاته ضد نظام صدام حسين وهو ما حصل فعلا حيث كانت له اتصالات مكثفة ومواقف غير معروفة للكل، لكن سيتم الكشف عنها ربما فيما بعد حين تكتمل كل الجوانب المتعلقة بمؤتمر جدة. بعد محطة هامبورغ انتقل العم بوحمد الى لندن حيث تحول مقر اقامته الى شبه قاعة اجتماعات مكثفة مع شخصيات كويتية عديدة ممن كانوا متواجدين في لندن او حتى من كانوا مقيمين في مدن اجنبية وعربية اخرى لتداول محنة الغزو والتصدي لمؤامرة سياسية لم يعرفها التاريخ من قبل. وخلال تلك الفترة عزم العم عبدالعزيز على حضور مؤتمر جدة والمشاركة في اعماله منذ اللحظات الاولي التي ترددت فيها فكرة عقد المؤتمر وتأجيل اي تحرك شعبي الى ما بعد مؤتمر جدة. حضور العم عبدالعزيز رحمة الله عليه مؤتمر جدة وهو على كرسي متحرك يدفعه ابن اخيه الاخ العزيز محمد الصقر ( بوعبدالله)، رئيس تحرير القبس السابق وناشر جريدة الجريدة حاليا، كانت محل تقدير من كل الحضور الذي استقبل دخول العم عبدالعزيز بالوقوف والتصفيق الحار، وهو تعبير عن الاحترام والمحبة اللذين حظي بهما العم بوحمد من كل شرائح المجتمع الكويتي والتيارات السياسية والفكرية، فالعم عبدالعزيز الصقر من صناع تاريخ الكويت السياسي مع نخبة من رجالات الكويت، منهم شخصيات وطنية لها بصمات تاريخية لا يمكن انكارها ولعل خير من يشهد على هذا الصعيد الاخ الكبير والمناضل د. أحمد الخطيب اطال الله في عمره. في وقت متأخر من ليلة افتتاح مؤتمر جدة، استدعى الامير الوالد الشيخ سعد الاخ بوعبدالله، وطلب منه الاطلاع على كلمة العم عبدالعزيز، وكان رد الاخ محمد بان الكلمة ليست لديه علاوة على ان قرارا كهذا ليس بيده، وانما يقرره عمه عبدالعزيز، حينها طلب الشيخ سعد من بوعبدالله الرجوع الى عمه وابلاغه بالرسالة، وكانت اجابة بوعبدالله بان العم نائم حاليا، الا ان الشيخ سعد طلب من بوعبدالله ايقاظ عمه واستئذانه لعرض الكلمة عليه. وفعلا حصل ما طلبه الامير الوالد، حيث ايقظ بوعبدالله العم عبدالعزيز من النوم وتم ابلاغه بالطلب وبناء على موافقة العم عبدالعزيز أصبحت الكلمة بين يد الشيخ سعد العبدالله، الذي قام بقراءتها بتمعن وبناء عليه قرر الامير الوالد اقتطاف فقرة من كلمة العم عبدالعزيز ليتم ضمها الى كلمته في افتتاح مؤتمر جدة، وهنا عاد الاخ بو عبدالله الى عمه للاستئذان مرة اخرى بشأن طلب الشيخ سعد. في ضوء ذلك قرأ بدقة وإمعان العم عبدالعزيز الفقرة المراد اقتباسها ووافق لسبب سيأتي توضيحه لاحقا. الفقرة المقتبسة من ضمن الكلمة التي وجهها الشيخ سعد جاء فيها « أن هذا الشعب الذي سطر بدمه وكفاحه وصموده البطولي صفحات مشرفة في مقاومة الاحتلال الآثم، وضرب بمحض ارادته امثلة رائعة في الولاء لوطنه والوفاء لأميره والالتفاف حول قيادته – لا يمكن ان يجزى على ثقته الا بمزيد من الثقة وعلى محبته الا بمزيد من المحبة وعلى وفائه إلا بالمزيد من الوفاء وهل جزاء الاحسان الا الاحسان». هنا ادعو الاخ بوعبدالله لتأكيد وربما اثراء هذه الجزئية او اكثر مما يتوافر لديه من معلومات، خصوصا انه كما هو معروف تميز بعلاقة لصيقة وثقة العم عبدالعزيز دون غيره. حين يتم الدقيق بالفقرة المقتبسة ومقارنتها بنص كلمة الشيخ سعد العبدالله يمكن التعرف بسهولة على الاختلاف من الناحية الانشائية واللغوية بان الفقرة تختلف من حيث الصياغة والاسلوب. الاهم في الامر هو سبب موافقة العم عبدالعزيز على ضم الشيخ سعد لهذه الفقرة بالذات من كلمته المعدة مسبقا بمناسبة افتتاح المؤتمر، حيث تتجلى الحنكة السياسية وعمق الخبرة وبعد النظر عند العم عبدالعزيز. فقد روت لي المصادر ان العم عبدالعزيز ارتأى ان انتقال هذه الفقرة بالذات تعني انتقال التعبير عن التمني الى تعهد رسمي بعودة الحياة الدستورية كما كانت عليه، وهي كانت من اولويات العم عبدالعزيز وغيره من رجالات الكويت الذين حرصوا على الالتفاف حول الشرعية الدستورية الديموقراطية الكويتية، خصوصا اثناء محنة الغزو. وجه العم عبدالعزيز كلمته بمناسبة مؤتمر جدة ومن بين ما جاء فيها: «في لقاء كهذا، كويتي الغاية والرعاية والحضور، ليس من المفيد ان نشرح ابعاد العدوان على عمقها واتساعها ولا ان ندحض ادعاءات المعتدي على كذبها وافترائها ولا ان نفضح ممارسات الغزاة على غدرها ووحشيتها. فكل واحد منا هو من ضحايا العدوان والمعتدي في الوطن والولد والاهل وفي النفس والرزق والعمل، وكل واحد منا واثق بعدل الله ونصره، وبأن الظالم لن يحصد الا الشوك والهزيمة وسوء المنقلب». وشدد العم عبدالعزيز: «في لقاء كهذا، رسمي الدعوة، شعبي الاستجابة، ليس الهدف مبايعة آل الصباح، ذلك لان مبايعة الكويتيين لهم لم تكن يوما موضوع جدل لتؤكد، ولا مجال نقض لتجدد، ولا ارتبطت بموعد لتمدد، بل هي بدأت محبة واتساقا، واستمرت تعاونا واتفاقا، ثم تكرست دستورا وميثاقا». هذه الفقرة بالذات دعت جميع المؤتمرين الى مقاطعة العم عبدالعزيز بالتصفيق، والوقوف تقديرا على لفتة سياسية في غاية الاهمية من السياسي المخضرم العم بوحمد. وركزت الكلمة على ثلاث قضايا رئيسية وهي: اولا: «المشاركة الشعبية القائمة على حرية الحوار واغلبية القرار والتنفيذ». ثانيا: «اسلامية العقيدة». ثالثا: «احساسنا القومي الصادق وشعورنا العربي الاصيل، وان العروبة اصلنا، وهي قدرنا الذي لا نريد منه فكاكا». الغزو الصدامي اظهر جوهر العلاقة الكويتية الشعبية مع النظام في التصدي للعدوان صفا واحدا، وترسيخ الوحدة الوطنية، وهذا لا يعني باي حال من الاحوال ان نتوقف عند مؤتمر جدة، بل الفرصة ما زالت قائمة في اعادة بناء الكويت على مبادئ الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي، وهو ما يشهد له تاريخ الكويت منذ نشأة الدولة، وحتى بعد التحرير، وما أحوجنا اليوم الى هذا التلاحم والوحدة الوطنية والتسامح، والسمو فوق الجراح من اجل كويت الامس واليوم والمستقبل. مؤتمر جدة، كما ذكرت جزء من تاريخ الكويت، والتاريخ غير قابل للتجزئة، وحتى في حال استمرار غياب التوثيق الدقيق والرسمي، ستظل كثير من الظروف والروايات والمعلومات حاضرة في ذاكرة المواطنين، ونتمنى من اصحاب القرار ان يعيدوا النظر في هذه المرحلة التاريخية المهمة للغاية، والا يجزع احد من توثيق مراحل تطور الكويت، خصوصا الدور الشعبي في الالتفاف حول الشرعية، والتضحيات البشرية، والصمود في وجه العدوان داخل الكويت وخارجها. ما رويته ما هو إلا جزء من مؤتمر جدة، وتظل هناك روايات واعمال مهمة وفي غاية الاهمية لم ترو وتوثق بعد. أتمنى ان يتبنى الاخ العزيز الشيخ جابر المبارك، سمو رئيس الوزراء، مثل هذه المبادرة، وان يصدر توجيهاته بان تفتح الحكومة صدرها وعقلها في كشف كل جوانب مؤتمر جدة، ومرحلة ما بعد التحرير، لا سيما التطورات السياسية المتعلقة بالتعهد الرسمي بعودة الديموقراطية الدستورية، فالفرصة ما زالت قائمة حتى يخرج عمل إعلامي مهني يروي التاريخ بالصوت والصورة من دون اي اجتزاء وبشفافية، فليس هناك أمر ما يستدعي إخفاءه أو تجنب مواجهته.